
طالما وصفت نفسها أنها معجونة بماء الحب، كان ذلك في الأيام الغابرة عندما كانت أصغر سنًّا وأكثر شبابًا.. إذ لم تكن ترى للحياة معنى دون حب.
لكن هل يعقل ما حدث لها وقد تجاوزت سن الشباب وبدأت خطواتها نحو الكهولة؟!
هل ما زالت قادرة على الحب كما كانت من قبل، رغم أن بياض الشعر الذي يعلو رأسها أكثر من سواده؟! أم أن طاقات الحب لا تنفد وشلالاته لا تنضب وعطاءاته لا تتوقف؟!
ثم ألن يشك السامع في قدراتها العقلية إذا قالت: إنها أحبته دون أن تعرفه وجهًا لوجه؟!
نعم، إنها لا تعرف عنه شيئًا سوى أفكاره التي يبثها هنا وهناك، لكنها تتخيله بلحمه ودمه، وتشعر أنها بحاجة إلى أن تختلط بعصبه وعظمه، وتريد أن تكون جزءًا من نبض قلبه ونسيج روحه، فماذا تفعل؟
كان فضولها يدفعها باتجاهه، لكنها حذرة جدًّا من ردة فعل غير متوقعة، قد تشكل صدمة جديدة في حياتها، ورغم أن قلبها قد اعتاد على الصدمات لدرجة أنها لم تعد تبالي بها، لكنها معه لا تريد أن تخسر، نعم إنها تريد أن تربح هذه المرة، إنها لا تريد شيئًا كثيرًا، فقط هي تريد أن تعرفه أكثر، فقد كان صدقه غريبًا في عالمها الكاذب، كما أن حماسه المشتعل يلهبها في زمنها الفاتر، ولم تكن تستطيع منع نفسها من التساؤل: كيف يمكن أن يؤثر فيها أحد بكلماته وأفكاره - وهي التي خبرت الحياة وعركتها وعرفتها على حقيقتها - إذا لم يكن أقدر منها روحًا وفكرًا؟!
لم تجد نفسها جبانة كما تجد نفسها أمامه، لكن هل هي جبانة أم حذرة؟ مجرد الاقتراب منه كان حلمًا بعيد المنال بالنسبة لها، وقد حدثتها نفسها أنها أمام نجم، ونصحتها أن الاستضاءة بنوره خير من الاحتراق بناره، فلتبق بعيدة، ولتلزم حدودها فالعاقل من عرف حده فوقف عنده.
ولكنها مع ذلك تجد نفسها مأخوذة به، فما العمل؟! هناك ما يجذبها إليه بكل قوة، هل هو الإعجاب؟ أم الفضول وحب المعرفة؟ إنها تؤمن بالقضاء والقدر إلى أبعد حد، ومن حكمها المفضلة: (ما كان لك آتيك على ضعفك، وما كان لغيرك فلن تناله بقوتك)، وهي تعرف أن عليها الأخذ بما تستطيعه من أسباب ثم لتترك تدبير الأمور إلى الخالق عز وجل. كما أن الحياة علمتها أن النية الصادقة أحيانًا تكفي إذا لم يكن لديها من الأسباب سواها؛ ولعل من ميزاتها أنها صادقة مع نفسها، ثم إنها تستطيع أن تعبر عن مشاعرها بسهولة متناهية، ولا ترى في ذلك أية غضاضة أو حرج، فهي لا تعبر عن الكره لأنها لا تعرف الكره، ومن ذا الذي يسوؤه تعبيرها عن حبها له وإعجابها به؟!
وبقي ذلك السؤال يراودها: "كيف أجذب انتباهه إلي؟ كيف أجعله يتساءل: من هي كما أتساءل من هو؟" لم تكن تريد أبعد من ذلك أبدًا، فقط تريد أن تعرفه ويعرفها.
ترتيبات القدر
لم تكن تدري أن القدر قد رتب لها شيئًا أكبر من كل طموحاتها وأجمل من كل تصوراتها وأحلى من كل خيالاتها، فذات يوم قرأت إحدى مقالاته المؤثرة، وشعرت بكمِّ الصدق الهائل في كلماته، حتى كأنها تسمع صوته مبحوحًا من الأسى الذي يعتلج في قلبه، تمنت عندها أن لو كانت إلى جانبه تمسح أحزان قلبه وتخفف آلام روحه، ففتحت بريدها، وخطت له رسالة شرحت له فيها أنها معه بقلبها وروحها، كانت تغرف من بحر عاطفتها وتغدق عليه حبًّا وحنانا، وهي إذ تعطي في الحب، فعطاؤها لا حدود له!
سالت كلماتها عذبة في نفسه، فكتب لها: "بالله عليك، من أين أتيت بهذه الكلمات المتدفقة التي تشد من الأزر وتربت على القلب وتمسح الروح المتعبة من صعوبة الطريق وقلة الرفيق؟
من أي ركن في غرف قلبك أم ثنايا روحك خرجت هذه الكلمات؟
أغرقيني أيتها الغيمة المثقلة بالعطاء لترتوي أيامي وتستيقظ روحي، لتحلق في السموات بلا حدود.. بلا حدود".
وتوالى الكلام الجميل
لم تسعدها رسالة في حياتها كما أسعدتها رسالته، فاستجمعت شجاعتها وكتبت له: "إذا كنتُ أنا ينبوعًا متدفقًا بالعواطف، فأنت شلال هادر بالأفكار، بحر زاخر باللآلئ، وأحتاج إلى وقت أكبر لأسبح في تيار فكرك، وأغوص في أعماق روحك، وأقطف الدر من أصداف قلبك، فمتى أحصل على هذه ال
المزيد